الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب.. ثقافة التهييج

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

إنها جزء رئيس من مكونات الحالة الثقافية العربية الراهنة.
ثقافة التهييج نراها عادة تحت عنوان رئيسي هو (الإسلام في خطر) وهناك عدة عناوين فرعية يجري استحضارها عند الطلب.
الأمثلة على ثقافة التهييج لا تعد ولا تحصى فهناك معركة إمامة المرأة للصلاة وهناك معركة وليمة أعشاب البحر.
تلك المعركة التي فقئت فيها عين أحد الطلاب وضاع من أجلها حزب وجريدة ولا يعرف أحد أين ذهب ذلك المقاتل الأشوس رافع شعار من يبايعني على الموت؟؟!!.
وأين الفوز  فلا الحزب استمرَّ ولا الجورنال داما!!!.
هناك أيضا قصة الحاجة أمينة التي قررت فجأة أن تصلي بالناس إماما فقامت الدنيا ولم تقعد لمواجهة الإسلام الأمريكي والمؤامرة الإمبريالية لتحريف الإسلام أما الدليل على أمريكية المؤامرة فهو أن الحاجة أمينة صلت بالناس في واشنطن وليس في دمشق وهو ما يعد دليلا حاسما من وجهة نظر هؤلاء على أن الأمر برمته هو مؤامرة صنعت في البيت الأبيض برعاية صقور البنتاجون!!.
أما قصة إمامة المرأة للصلاة في دمشق فقد رواها ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد:
قال إسحاق بن محمد الأزرق: دخلت على منصور بن جمهور الكلبي بعد قتل الوليد بن يزيد وعنده جاريتان من جواري الوليد فقال لي اسمع من هاتين الجاريتين ما يقولان قالتا قد حدثناك قال بل حدثاه كما حدثتماني قالت إحداهما كنا أعز جواريه عنده ف..... هذه وجاء المؤذنون يؤذنونه بالصلاة فأخرجها وهي سكرى جنبة متلثمة فصلت بالناس (ص 460-ج 4).
ومع ذلك وعندما تحدث شيخنا القرضاوي عن هذا الوليد في كتابه (تاريخنا المفترى عليه) دافع عنه واعتبره مجرد فاسق وأن هذا الفسق لا يرقى إلى مرتبة الكفر والزندقة أي أنه لا مؤامرة على الإسلام ولا يحزنون فمثل هذه الأفعال إذا أتى بها أحد المسلمين وخاصة إذا كان من (بني أمية المفترى عليهم) لا يمكن إدراجها في إطار الزندقة أو تلطيخ سمعة الدين والأمر كله لا يعدو كونه نزوة ليلية تمحوها صلاة الصباح من دون غسل ولا وضوء أما إذا صلت الحاجة أمينة بالناس فالأمر هو بالقطع مؤامرة أمريكية مع أن الأمر كله لا يعدو مجرد زوبعة في فنجان وسينبري قادة الشوارع ورموز ثقافة التهييج لإطلاق أعلى الصرخات (وا إسلاماه والإسلام في خطر ومن يبايعني على الموت) وإرسال أقوى الاحتجاجات وإطلاق فقراء بنجلاديش وأفغانستان من أجل التظاهر بالآلاف والموت بالعشرات دفاعا عن الإسلام ومن يبايعني على الموت!!.
ثقافة التهييج حاجة استراتيجية
في العالم المتحضر تمارس الدبلوماسية الشعبية دورها جنبا إلى جنب مع الدبلوماسية الرسمية.
الدبلوماسية الشعبية هي تلك العلاقات الموازية التي ينشؤها رجال الأعمال والعلماء والمفكرون مع نظرائهم في الدول الأخرى على هامش الأنشطة الثقافية والعلمية والتجارية وهي الأنشطة التي تضاءلت في مجتمعاتنا بسبب احتكار الدولة لكافة أشكال العمل السياسي والثقافي وأحيانا الاقتصادي.
من هنا بدأت تلك النظم في استخدام ثقافة التهييج وقادة الشوارع في الاضطلاع بتلك المهمة التي لا ترغب دبلوماسية الياقات البيضاء والألفاظ المنتقاة في القيام بها أو هي تعجز عن ذلك.
دبلوماسية الياقات البيضاء تذهب إلى واشنطن لتطالب بالمعونة واتفاقات التجارة الحرة وهي لا ترغب في دفع الثمن المطلوب من الإصلاحات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وهي تريد كل هذا مقابل (دورها المركزي) في صنع السلام في الشرق الأوسط وكفى كما أنها في نفس الوقت لا تقدر على رفض تلك المطالب الأمريكية الإصلاحية في العلن وهنا يأتي دور رموز ثقافة التهييج والتهريج (الغاضبون دوما بسبب الدور الأمريكي في دعم إسرائيل والغزو الأمريكي للعراق وتعذيب السجناء في أبي غريب وإمامة الحاجة أمينة للصلاة في واشنطن "وليس في دمشق") في تحجيم تلك المطالبات الأمريكية فالشارع لا يريد ولا يرغب كما أنه يكره وهو يتظاهر للرفض بينما هم يتظاهرون بالقبول!!.
إنهم أي رموز ثقافة التهييج وقادة الشوارع من الراغبين دوما في القيام بدور (المدافع الأول عن الإسلام) في كنف السلطة وبموازاة سياساتها وهم يجدون ضالتهم في هذا النوع من المعارك الوهمية التي لا تقدم ولا تؤخر والتي تصرف الأنظار عن ضرورات الإصلاح السياسي والفكري باعتبار أن الخطر الأول على الإسلام يأتي عبر المحيطات من واشنطن (وليس من دمشق!!) وهم (أي قادة الشوارع ورموز ثقافة التهييج) حاضرون دوما للدفاع عن الدين حتى آخر صيحة في حناجرهم أو قطرة من عرقهم وبعد أن ينفض السامر يكتشف الجمهور أن الحال ما زال على ما هو عليه فلا الحزب استمر ولا الجورنال دام.
ملحوظة-1: لا خوف من إصابة قادة الشوارع بالجفاف بسبب كثرة الصراخ أو نزيف العرق إذ أن قناني البيبسي والمياه المعدنية تكون جاهزة أثناء الفاصل وفور انتهاء البث الفضائي.
ملحوظة-2: فور انتهاء المظاهرات في شوارع أفغانستان وبنجلاديش سيجري توجيه نداء للتبرع بالدم من أجل المصابين أما الضحايا فسيتم اعتبارهم شهداء والأجر والثواب عند الله!!.
إنها السياسة إذا على طريقة الدكتور جيكل والمستر هايد فالدكتور جيكل رجل محب للديمقراطية والسلام والحوار بين الشعوب والأديان فضلا عن رؤيته لأهمية العلاقات الأمريكية العربية من الناحية الاستراتيجية كما أنه يرغب في الإصلاح ويسعى جاهدا بل ويبذل المستحيل لإقناع الشارع الذي يرفض قادته (المستر هايد) مثل هذا الإصلاح ويرى فيها محاولة أمريكية فجة للقضاء على الإسلام والدين وإعادة ترتيب خريطة المنطقة الخ .. الخ.
هل حقا أن (الإسلام في خطر)؟؟.
سؤال يصعب الإجابة عليه لإبهامه وغموضه ولأن الإسلام لم يكن في خطر يوم أن كان عدد المسلمين لا يتجاوز بضعة آلاف أما الآن فالمسلمون هم في خطر داهم بسبب تلك السياسات العوجاء والتصرفات الخرقاء التي تقيم الدنيا ولا تقعدها بسبب ما قامت به الحاجة أمينة في واشنطن بينما هي تتعامى عما يفعله الزرقاوي وأشباهه في العراق وغير العراق.
هل قرأ زعماء الشوارع وقيادة تيار التهييج والتهريج فتوى الشيخ الزرقاوي التي حاول أن يبرر بها حرب الإبادة على شعب العراق والتي برر فيها ما أسماه قتل المدنيين المتمترسين حيث أكد (على مشروعية رمي الكفار بكل ما نملك من سلاح وإذا ترتب على ذلك قتل المتمترس بينهم من المسلمين فإن ذلك جائز شرعا أي عندما لا يمكن قتل الكفار إلا بقتل المتمترس).
والواقع أن هذه الفتوى الزرقاوية هي التي أجازت له قتل (السنة العراقيين) في الموصل وتكريت ومهاجمة مساجدهم كونه يرى أن المسلمين الشيعة يتعين قتلهم من البدء كونهم من الكفار والمشركين وقتل من يتمترسون به من السنة العراقيين!!.
المسلمون في خطر داهم إذا أفلح الزرقاوي وعصابته في جرهم إلى حرب أهلية طائفية يسعى لإشعالها بكل ما أوتي من وسائل شيطانية وسيفشلون بعون الله وحكمة عقلاء المسلمين أما عن الدور الغائب لقادة الشوارع ورموز ثقافة التهييج في وأد هذه الفتنة (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) فسيبقى خزيا وعارا وفضيحة تلاحقهم إلى يوم الدين.
المسلمون في خطر لأنهم وبعد أكثر من 14 قرنا من ظهور الإسلام ما زالوا يتجادلون حول إذا كان من حقهم إبداء النصيحة والأمر بالمعروف علنا لمن يسمونه وليا للأمر أم أن هذا يعد فتنة تستوجب عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن تسعة أعوام في حين بقي قادة التهييج والتهريج صامتين لا ينطقون (صم بكم عمي فهم لا يرجعون).
المسلمون في خطر طالما بقيت أوضاعهم الثقافية والفكرية تعاني من تلك الأحادية الفكرية والفقهية والسياسية التي أفرزت لنا التطرف والإرهاب وقادتهم إلى حالة مرضية توحدية وعزلتهم عن العالم (يحسبون كل صيحة عليهم) حتى ولو كان الأمر لا يعدو مجرد (وليمة لأعشاب البحر) أو مجرد زوبعة أثارتها الحاجة أمينة في فنجان أمريكي.
ويا لخيبة العقول.
نقلا عن جريدة القاهرة القاهرية
دكتور احمد راسم النفيس.

20-5-2005.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق