‮«‬بوبي»‬ قصة قصيرة: أيمن حجازي

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تحول الحيوان من مشرد بائس ضعيف بلا صاحب ولا مأوى إلى كلب ضخم قوى تحسب كلاب الشارع حسابه رغم إعاقته، كان يطارد الكلاب المتطفلة التى تجتمع حوله لتخطف طعامه.

كنت فى المرحلة الإعدادية عندما شاهدت خلال رحلتى اليومية من منزلى بمنطقة العتبة إلى المدرسة كلبا نحيلًا فقد على ما يبدو الكثير من وزنه نتيجة مرض أو إهمال، ينزوى فى ركن من الشارع بجوار سينما «بيجال» المغلقة فى ذلك الوقت، فى شارع عماد الدين الشهير بوسط القاهرة عند تقاطعه مع شارع نجيب الريحانى.

لم تكن خبرتى بالكلاب تسمح بالاقتراب منه حيث كنت أجبن عن ذلك، أتفادى التعامل مع هذه المخلوقات لتفادى أذاها، أو هكذا كنت أفهم فى هذه المرحلة المبكرة من حياتى.

اقترب الكلب منى ببطء فوقفت مكانى خشية أن يطاردنى إن ركضت، إلا أنه أحنى رأسه أمامى، تراجعت قليلا بينما ترتعد أوصالى خوفًا منه، فجلس كأنه يطمئننى أو كأنه وجد أخيرا من يسمع حكايته، ثم رفع رأسه نحوى يتشمم رائحتى فرأيت بوضوح أنه فقد بصره، كما خسر الكثير من الشعر الذى كان يغطى جسده، وعندما هممت بالانصراف هز رأسه وتبعنى لخطوات قبل أن يعود أدراجه إلى ركنه المنزوى من الشارع.

راودنى شعور بأن ذلك الكلب يحتاج إلى المساعدة، وليست لديه نية الأذى، على الرغم من جسده الكبير والذى يوحى بأنه تربى فى رعاية إحدى الأسر، وسعدت بهذه الصداقة الناشئة وحكيت لوالدتى - رحمها الله - ما حدث فنصحتنى بإطعامه من دون لمسه حيث نجهل طبيعة مرضه، وربما كان معديًا، وفى صباح اليوم التالى حملت إليه الطعام، وقبل وصولى إلى مكانه بمسافة طويلة رأيته يقف على قوائمه ويرفع أنفه عاليا ليتحرى موقعى حيث إنه أحس بوجودى قريبا منه، وعندما وضعت الطعام أمامه لم يبادر إلى تناوله بل جلس أمامى باسطا ذراعيه مؤرجحا ذيله ليعبر عن سعادته بقدومى، رقص قلبى طربا حيث كانت المرة الأولى التى أقترب فيها إلى هذه الدرجة من كلب بهذا الحجم ولا ينبح ولا يخيفنى ولا يطاردنى كما تعودت من كلاب الحى، وكلما قرَّبت الطعام من أنفه استدار عنه وواصل شم رائحتى وكأنه يعبر لى عن امتنانه برعايتى له، ويؤكد على احتياجه لصديق أكثر من الطعام.

حكيت لزملاء الدراسة فى مدرسة الناصرية الإعدادية حيث كنت أدرس ما حدث معى فى ذلك الصباح، فتسابق الزملاء إلى إبداء النصح بشأن الكلب، كانت أول نصيحة إطلاق اسم عليه حتى يمكننى مناداته به، ونصحنى زميل آخر بضرورة اصطحابه إلى العيادة البيطرية لعلاجه، واقترح ثالث أن أستضيفه فى المنزل لحمايته من كلاب الشارع المؤذية ومن مضايقات الأطفال المارين مع ذويهم إلى دور السينما التى تملأ الشارع، وعلى الرغم من رفض والدى هذه الفكرة الأخيرة نهائيًا، غير أنه لم يعارض مبدأ إطعام وعلاج «بوبى»، وهو الاسم الذى أطلقته عليه نتيجة انعدام خبرتى حيث تبين فيما بعد أنه اسم لا يتناسب مع حجم وعمر الكلب حيث يطلق فقط على الجرو الصغير، إلا أن الكلب تقبل اسمه انطلاقا من فكرة تمييزه لصوتى فقط وليس تعرفا على الاسم.

قامت مجموعة من زملاء الدراسة بزيارة ركن «بوبى» مرتين أو ثلاثا، لعبوا معه وأعجبوا بهدوئه وشخصيته الودودة، حاول بعضهم المزاح معه بخشونة، لكن ظهر صوت من شرفة الطابق الأول للبناية المواجهة لركنه يقول ناصحًا «لأ مش كده، إلعبوا معاه من غير أذية، ده لحم ودم زيكم وبيحس بالوجع لأنه روح».. نظرت إلى مصدر الصوت فكانت امرأة فى الأربعينيات من عمرها.

انشغل كل من زملائى بنفسه ولم يعد أحد يهتم به، ولكن شعرت بمن يقوم على خدمة «بوبى» غيرى بصفة يومية حيث كنت أعثر بين وقت وآخر على بقايا طعام أمامه يختلف فى النوع عما أقدمه له، ولم أهتم بالأمر كثيرا حيث أدركت أن لـ«بوبى» أصدقاء كُثرا، ولم لا، فهو يتمتع بشخصية رائعة ويبحث عن صديق ويحتاج للرعاية اليومية.

اختلف وضع «بوبى» بعد فترة، زاد وزنه بشكل ملحوظ، نما شعر جسده بصورة كثيفة ما أعطاه ملمحا رياضيا وانطباعا بالقوة، استعرت آلة التصوير من خالى الذى يسكن فى منطقة شبرا لتصوير «بوبى» ومن ثم عرضت الصور على والدى وأقاربى وزملائى فى المدرسة، الكل أجمع على تكوينه القوى الذى يقترب من فصيلة «جيرمن شيبرد»، كما شعر من شاهد الصور بالأسف على فقدانه البصر، إلا أننى شرحت لهم أن حاسة الشم تعوضه عن غياب حاسة النظر.

شهدت صداقتى بهذا الكلب منحنى مهما فى أحد الأيام عندما كرر خفض رأسه أمامى، فقادتنى الغريزة الإنسانية إلى لمسه لأول مرة منذ ما يزيد على شهرين هما عمر صداقتنا، نسيت نصيحة أمى وأبى وزملائى وربتُّ برفق على رأسه مستجيبا لطلبه الذى كرره مئات المرات وكنت تهربت منه بحجة الوقاية من انتقال العدوى إلىّ، ساعتها راودنى شعور غريب وقوى بأن لى صديقا يحكم علاقتنا الصدق من دون أى مبررات أو مصالح، وكذبت على أمى مؤكدا - كلما سألتنى - على أننى لا ألمسه ألبتة، بينما كشفت رحمها الله كذبى من خلال رائحة الكلب التى تفوح من يدى وملابسى كلما دخلت المنزل عائدا من المدرسة، وكانت تحذرنى من عواقب الكذب، من دون توبيخ ولا عقاب لفهمها طبيعة الصداقة التى نشأت بينى وبين «بوبى».

تحول الحيوان من مشرد بائس ضعيف بلا صاحب ولا مأوى إلى كلب ضخم قوى تحسب كلاب الشارع حسابه رغم إعاقته، كان يطارد الكلاب المتطفلة التى تجتمع حوله لتخطف طعامه، وبالطبع توقفت هذه الكلاب عن سرقة طعامه بعدما أصبح فى حال يستطيع معها الدفاع عن نفسه، وأذكر أننى خرجت للقائه يوما فى ساعة متأخرة من الليل فوجدت حوله ما يقرب من 20 كلبا ضالا من أحجام وأنواع مختلفة، يتحرشون به، بعدما شعروا بوجود وجبات جاهزة سريعة تقدم فى هذا الركن، وكان يكتفى بالنباح لإخافتهم، غير أنه -بمجرد إدراكه لوجودى فى الجوار - سارع إلى الهجوم عليهم بمنتهى الشجاعة، فانسحبوا خائفين، وعبرت مجموعة منهم الشارع هربا منه، فتتبعهم وهو يتحسس من آن لآخر بأنفه وجودى بجواره، حتى إذا وصلت المجموعة إلى مشارف شارع رمسيس عدت أدراجى فتبعنى فى فخر وإباء.

وبحكم التعود أصبح الشارع فضاءً فسيحا لـ «بوبى» يستطيع التجول فيه خاصة بعد الثانية فجرا، حيث يقل عدد المارة ويندر مرور السيارات، ووجد بعض أصحاب المحلات ضالتهم المنشودة فيه حيث يحرس ممتلكاتهم خلال الليل، فبادر بعضهم إلى إطعامه.

انتهى الموسم الدراسى وحلت الإجازة الصيفية، لم أتوقف عن زيارة «بوبى» يوما ولم تسعدنى علاقة صداقة كما أسعدتنى علاقتى بهذا الكلب الوفى، كانت أمى تعد له الطعام وتضعه فى كيس بلاستيكى ثم توقظنى برفق قائلة: «قوم من النوم بلاش كسل وروح قدم الأكل لـ «بوبى» الراجل منتظرك، زمانه جوعان».

كعادتى ذهبت فى أحد أيام الصيف إلى ركن «بوبى» فلم أجده، توقعت أنه يجول فى الجوار أو يقوم بإحدى مغامراته، تجولت قليلا ثم عدت لانتظاره، إلا أن الوقت مر ولم يظهر الكلب، بدأ القلق يستبد بى ثم غادرت على أمل العثور عليه فى اليوم التالى، وتكرر الانتظار بلا فائدة، بعد ما يقرب من أسبوع نادتنى السيدة التى تسكن فى البناية المقابلة لركن «بوبى» من شرفتها قائلة: «اطلع يابنى، عاوزاك فى كلمة». طرت فرحًا، توقعت أن هذه السيدة الكريمة استضافت «بوبى» رحمة به من حر الصيف، أخيرا أصبح لك مأوى يا صديقى.. هكذا قلت لنفسى وأنا أرتقى السلم جريا إلى حيث الطابق الأول يرقص قلبى طربا، إلا أن السيدة لم تكن سعيدة بل فى منتهى الحزن، قالت برفق بعدما لمحت نظرة استفهام فى عينى: «أدخل، إنت زى ابنى».

دخلت أبحث عن صديقى فى أركان الصالة الفسيحة، حيث تصاميم العمارات القديمة التى اشتهرت بها المنطقة، ولم أجده، أشارت السيدة لى بالجلوس، ثم أحضرت كوبا من الماء، أخذته منها ووضعته جانبًا، ثم سألتها فى لهفة متجولا ببصرى فى الأنحاء: «هو بوبى عندك هنا» قالت وهى تنظر إلى الأرض، «لأ مش هنا، بصراحة ناديتك علشان أقولك وفَّر على نفسك الأكل والتعب والمشاوير، «بوبى» خلاص، البلدية جات الفجر من حوالى أسبوع وضربته بالخرطوش، حاول إنك...»، توقف الزمن هنا كما توقفت حواسى عن إدراك ما يدور من حولى، ارتعش جسدى بشدة، وبدأت أبكى بحرقة، عندما استعدت وعيى أدركت أن هذه السيدة كانت تخفى كذلك دموعها عنى، سألتها بصوت باك : «ليه طيب؟ هو أذى حد؟ هو عض حد؟ هو سرق محل؟ طيب ليه كده؟».

عدت إلى المنزل مستعيدًا كل ذكرياتى مع ذلك الحيوان الأعجمى، تذكرت سخرية بعض المارة من هذه الصداقة، حينما علق أحد الشباب على رعايتى له قائلًا بسماجة : «ليه بتأكَّله؟ هو أخوك؟»، وقال آخر «أطعم بنى آدم أحسن»، بينما استهدفه ثالث بحجر -من باب التسلى- ولم أستطع منعه لأنه كان أكبر منى سنا وأكبر حجما وأكثر قوة، ولم يغضب منى «بوبى» لفشلى فى الدفاع عنه، بل تفهم الموقف كما لم يتفهمه بعض البشر، مات قبل أن يفصح لى عن طبيعة مرضه، وعن الأسرة التى أهملته بمجرد فقدانه البصر، مات قبل أن نقوم بالمزيد من المطاردات ضد الكلاب التى تسرق منه طعامه، قبل أن أشرح للمارة الذين يجذبون أبناءهم بعيدا عنه خوفا من أذاه، إنه كلب طيب وحنون لا يؤذى أحدا، مات «بوبى» ولم يخبرنى عما لاقاه من أذى صنف البشر، رغم أنه يجلس وحيدا فى الشارع لا يطلب من أحد شيئًا.. مات الصديق الوفى موتة رجال، ولم تتح لى فرصة وداعه، قبل أن يعلمنى مبادئ الوفاء والإخلاص للصديق.. مات «بوبى» وماتت معه أحلامى برعايته فى مكان آمن يقيه حر الصيف وبرد وأمطار الشتاء، قبل أن يشرح لى، لماذا يختلف سلوكه عن باقى كلاب الشوارع؟.

حدثت هذه الوقائع قبل 38 عاما، وكانت بداية اهتمامى بهذه الحيوانات المخلصة، اكتشفت أن الكلب على استعداد للتضحية بنفسه لحماية صاحبه، كما أنه لا يشبه بعض البشر فى صفات الطمع والخيانة والنفعية، ولا يغضب إذا خنته، وينتظر عودتك دائمًا إذا تغيبت عنه، لا يمثل الطعام له إلا القليل، بينما تمثل لمسة يدك على رأسه قمة تطلعاته وآماله.

وبعد مرور كل هذا الوقت، أتذكر «بوبى» كلما ربيت كلبا جديدا، ولم أطلق هذا الاسم أبدا على أى كلب اقتنيته، ولم أتوقف عن رعاية الكلاب من وقتها، الضالة منها والمهتدية، تذكرت والدى عندما أخبرته بأمر «بوبى» لأول مرة حيث قال: «إذا ربيت كلب مرة واحدة مش ممكن تنسى الموضوع ده، زى الإدمان بالضبط».

* صحفى مصرى مقيم فى الإمارات

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر النفيس وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق